الحلبي

63

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

أن يكون يعلم مكانه ، فأتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رجل من اليهود فقال : إني رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة ، أي فإن كنانة حين رأى النبي صلى اللّه عليه وسلم فتح حصن النطاة وتيقن ظهوره عليهم دفنه في خربة . أي وفيه أن هذا لا يناسب ما سبق من أن حييا كان يطيف بتلك الخربة ، إلا أن يقال جاز أن يكون دفنه في تلك الخربة في محل آخر غير الذي دفنه فيه حيي ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لكنانة : أرأيت إن وجدته عندك أقتلك ؟ قال نعم ، فأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالخربة فحفرت ، فأخرج منها بعض كنزهم ، ثم سأله ما بقي فأبى أن يؤديه ، فأمر به الزبير رضي اللّه تعالى عنه فقال : عذبه حتى نستأصل ما عنده ، فكان الزبير رضي اللّه تعالى عنه يقدح بزند ، أي بالزناد الذي يستخرج به النار على صدره حتى أشرف على نفسه . وأخذ منه جواز العقوبة لمن يتهم ليقر بالحق ، فهو من السياسة الشرعية ، ثم دفعه صلى اللّه عليه وسلم لمحمد بن مسلمة رضي اللّه تعالى عنه فضرب عنقه بأخيه محمود . أي ولا مانع أن يكون السؤال وتعذيب الزبير وقع لسعية وكنانة أيضا . وأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالغنائم : أي التي غنمت قبل الصلح فجمعت ، وأصاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سبايا منها صفية رضي اللّه تعالى عنها بنت حيي بن أخطب ، من سبط هارون بن عمران أخي موسى عليهما الصلاة والسلام ، فاصطفى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صفية لنفسه ، وجعلها عند أم سليم التي هي أم أنس خادمه صلى اللّه عليه وسلم حتى اهتدت وأسلمت ، ثم أعتقها صلى اللّه عليه وسلم وتزوجها وجعل عتقها صداقها : أي أعتقها بلا عوض وتزوجها بلا مهر لا في الحال ولا في المآل : أي لم يجعل لها شيئا غير العتق . وقد سئل أنس رضي اللّه تعالى عنه صفية ، فقيل له : يا أبا حمزة ما أصدقها ؟ قال : نفسها ، أعتقها وتزوجها ، وهذا يردّ ما استدلّ به بعض فقهائنا : على أن من خصائصه صلى اللّه عليه وسلم جواز نكاح الأمة الكتابية ، وجواز وطئها بملك اليمين من أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يطأ صفية قبل إسلامها بملك اليمين . ويرد أيضا على من استدل من فقهائنا على استحباب الوليمة للسرية ، بأنه صلى اللّه عليه وسلم أو لم على صفية كما علمت أنها زوجة لا سرية . أي لكن ذكر بعض فقهائنا أنه صلى اللّه عليه وسلم لما أو لم على صفية رضي اللّه تعالى عنها ، قالوا : إن لم يحجبها فهي أم ولد ، وإن حجبها فهي امرأته ، وذلك دليل على استحباب الوليمة للسرية ، إذ لو اختصت بالزوجة لم يترددوا في كونها زوجة أو سرية ، وذلك بعد أن خيرها صلى اللّه عليه وسلم بين أن يعتقها فترجع إلى من بقي من أهلها ، أو تسلم فيتخذها لنفسه ، فقالت : أختار اللّه ورسوله .